سياحة المعوّقين... إمكانية الوصول معطّلة عربياً

بيروت ــ عصام سحمراني (العربي الجديد)

من حق الجميع أن يزوروا المرافق السياحية المختلفة. لكن، ماذا عن الأشخاص المعوّقين؟ كيف سيتمكنون من ذلك في ظلّ العقبات التي تعترض طريقهم في الوصول خصوصاً في الدول العربية؟ الإجابة في كلمتين: "السياحة الدامجة"

ليس بعيداً عن مركز "اتحاد المقعدين اللبنانيين" في منطقة الروشة في العاصمة اللبنانية بيروت، حيث ينشط الاتحاد في مشروع "السياحة للجميع" كثير من المطاعم والمقاهي تمتد من الخط البحري إلى شارع الحمراء المجاور. تلك المرافق يرتادها يومياً آلاف الزبائن. لكن، أين موقع الأشخاص المعوقين من الاستفادة من هذه المرافق؟ 

معاينة تلك الأماكن والحديث مع بعض العاملين فيها يؤكدان الصعوبات الكثيرة التي تواجه الشخص المعوق، أكان معوقاً حركياً أم حسّياً. الأدراج تعرقل طريق مستخدمي الكراسي المتحركة. "يحملهم مرافقوهم ونعاونهم أحياناً"، يعلّق عامل في مطعم في شارع الحمراء. وإذا وصلوا بعد تلك المساعدة، واجهتهم صعوبات أخرى في التنقل الداخلي، خصوصاً في الدخول إلى دورات المياه، وفي المساحات الضيقة فيها. أما الشخص المكفوف فلا يتمكن حتى من طلب طعامه بنفسه من دون مساعدة شخص يقرأ له ما كتب في قائمة الطعام، فلا قوائم طعام بلغة "بريل"، ولا قوائم رقمية صوتية أيضاً. أما الشخص الأصمّ فيواجه صعوبات أخرى، كعدم وجود ولو شخص واحد يعرف لغة الإشارة.

صعوبات كثيرة جداً تمنع الأشخاص المعوقين من الوصول إلى أماكن سياحية في بلدهم، قبل أن نتحدث عن أشخاص معوقين أجانب يأتون إلى لبنان بهدف السياحة. كذلك، قبل أن نتحدث عن زيارة المسابح والشواطئ والمدرجات الرياضية والفنية والمواقع الطبيعية والأثرية. فإذا كانت أوضاع المقاهي والمطاعم سيئة إلى هذا الحدّ على مستوى التجهيز فإنّ غيرها أسوأ.

فوائد اقتصادية

تؤكد منسقة مشروع "السياحة للجميع" في الاتحاد سيلفانا اللقيس أنّ الوضع اللبناني نموذج لأكثر البلدان العربية باستثناء بعض التجارب الخليجية الجيدة على صعيد تجهيز الأماكن السياحية وتأهيل العاملين فيها.

عبارة "السياحة للجميع" هي عنوان احتفالية الأمم المتحدة، وتحديداً منظمة السياحة العالمية، في يوم السياحة العالمي الذي يصادف في السابع والعشرين من سبتمبر/ أيلول من كلّ عام. السياحة للجميع تعني جميع الفئات والشرائح ومن ضمنها كبار السنّ والأشخاص المعوقون.

تتحدث اللقيس إلى "العربي الجديد" من منطلق حقوقي في البداية: "السياحة حاجة إنسانية وهي من حق الجميع". مع ذلك فهناك فوائد اقتصادية كبيرة لـ"السياحة الدامجة" أي تلك التي تلحظ حقوق الأشخاص المعوقين في الوصول إلى جميع الأماكن السياحية واستغلال كلّ خدماتها كغيرهم تماماً. هذا الجانب يلحظ أنّ 10 في المائة تقريباً من المداخيل الوطنية تتأتى من السياحة، بينما يشكّل كبار السنّ أكبر نسبة من السائحين حول العالم. و"كبار السنّ كالأشخاص المعوقين يحتاجون إلى تدابير إضافية لها علاقة بالتغير، فأيّ شخص مع تقدم العمر وتقدم الحياة تتغير طبيعة الأمور بالنسبة له كالحركة والنظر والميول والتفكير. لكن ليس ذلك معناه أن تتعطل حياة الإنسان بل أن تلاقي البيئة المحيطة وضعه في أن تكون دامجة"، بحسب اللقيس. إذاً، فالسياحة الدامجة مربحة اقتصادياً أيضاً مع استقطاب فئات جديدة من السائحين إلى المرافق من جهة، وتشغيل أشخاص معوقين في القطاع السياحي من جهة أخرى.

فما هو وضع هذه المرافق في لبنان بالذات؟ تجيب اللقيس: "المرافق السياحية والأثرية غير متاحة للأشخاص المعوقين في لبنان. لا يمكننا أن نزور القلعة أو المتحف إن في بيروت أو صور أو جبيل أو بعلبك أو غيرها. المطاعم والفنادق غير مجهزة أيضاً. لكن هناك بعض التحسن في أماكن معينة تشكل إنجازات. حتى النقليات غير مؤمنة للأشخاص المعوقين فسيارات التاكسي غير مجهزة ولو كنا نريد استئجارها. أما النقل العام فغير متوفر على الإطلاق بالنسبة للأشخاص المعوقين".

وضع مختلف عالمياً

قانونياً، تنصّ اتفاقيّة الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على حقّ الجميع في الوصول إلى المرافق السياحيّة، وقد وقّعت أكثر من 140 دولة على هذه الاتفاقيّة، من ضمنها لبنان. بدوره، عرّف "إعلان تاكاياما" حول تنمية المجتمعات للجميع في آسيا والمحيط الهادئ (2009) السياحة الدامجة على أنّها مسعى مستمرّ لضمان توفير وجهات سياحيّة وخدمات ومنتجات متاحة للجميع من دون أيّ تمييز، ما يضمن احترام كرامة واستقلاليّة الأشخاص بصرف النظر عن اختلاف احتياجاتهم.

تعرض اللقيس على جهاز الكومبيوتر المحمول الخاص بها صوراً من عرض أعدّه مشروع "السياحة للجميع" تشير فيه إلى فوارق شاسعة على صعيد السياحة الدامجة بين لبنان والدول العربية من جهة، ودول غربية من جهة أخرى. الصور تشير إلى تمكن أشخاص معوقين حركياً من ممارسة نشاطات قد لا يجد غيرهم الشجاعة للقيام بها، كالتزلج المائي والتزلج على الثلج والقفز بالمظلة، وكلّ ذلك بفضل تجهيز البيئة الملائمة. حتى إنّ الصور تظهر أطفالاً معوقين يتمكنون من التزلج المائي والسباحة بفضل معدات مخصصة لهم.

الوضع مختلف كلياً في الخارج، ومع شهادة الناشط في حقوق الأشخاص المعوقين الإسباني أليخاندرو هورتادو لـ"العربي الجديد" يتضح الأمر أكثر. يقول هورتادو إنّ الأماكن مجهزة لاستقبال الأشخاص المعوقين والتعامل معهم مهما كانت. الأماكن السياحية جزء أساسي منها في كلّ مرافقها وصولاً إلى دورات المياه". يعلل ذلك في أنّ "ثقافة الدمج هي الأساس هناك".

بالفعل، فإنّ نظرة سريعة على سياحة الأشخاص المعوقين في عدد من الدول الغربية تكشف عن مثل هذه الثقافة. فكثير من الشركات تعرض خدماتها عبر مواقعها الإلكترونية. منها بالذات في إسبانيا، كموقع وكالة "أندلسيا" المتخصص في حجز الفنادق وتأمين الجولات السياحية. يؤكد الموقع على أنّ كلّ خدماته دامجة، والأشخاص المعوقين قادرون على الوصول إلى كلّ الخدمات التي يصل إليها غيرهم.

على خطٍّ موازٍ، يتخصص موقع "ديس أيبلد هوليدايز" البريطاني كما يقول اسمه في "إجازات الأشخاص المعوقين". شعار الوكالة هو "السفر من دون حدود". يقدم الموقع تشكيلة لا تنتهي من الرحلات السياحية الدامجة التي تلحظ كلّ تفصيل يتعلق بوصول الأشخاص المعوقين مكانياً وخدمياً. كذلك، يقدم دليلاً عن الأماكن التي تتميز بقابلية وصول الأشخاص المعوقين إليها في بريطان

تجربة رائدة

في نظرة أقرب، تتحدث الناشطة في حقوق الأشخاص المعوقين جنى الحسيني عن تجربتها الشخصية وكذلك العامة. لدى الحسيني إعاقة حركية، وهي تعيش في كندا منذ سنوات. تكشف صور أخيرة لها عبر حسابها على موقع "فيسبوك" استمتاعها برحلة تمكنت خلالها من ممارسة نشاطات واستخدام أدوات لم تتوفر لها في لبنان يوماً.

تنطلق الحسيني من حالتها كطالبة جامعية معوقة لتشير إلى مدى التقدم في حقوق الأشخاص المعوقين هناك. تقول: "تخصص الحكومة الكندية قروضاً ومنحاً خاصة للأشخاص ذوي الاعاقة في الجامعات والمعاهد على أن تسدَّد لدى الانتهاء من الدراسة وبعد حصولهم على عمل". أما على صعيد الصحة، فيحصل الأشخاص المعوقون في فانكوفر مثلاً على خدمة خاصة بهم تضمنهم صحياً، كما أنّ من حق كلّ شخص معوق حركياً الحصول على كرسي متحرك عادي، أو كرسي كهربائي كلّ خمس سنوات، وتغطي الحكومة كلّ المواد الطبية والتجهيزات التي يحتاجها مجاناً. 

بالاقتراب أكثر من القطاع السياحي، تتحدث الحسيني عن خدمة النقل: "للأشخاص ذوي الاعاقة الأولوية في استخدام النقل العام كالباص والقطار. كلّ وسائل النقل مجهزة لاستقبال الجميع. ويحصل فريق النقل على تدريب خاص حول كيفية التعاطي مع الأشخاص ذوي الإعاقة، أي ما يتعلق بمعايير السلامة العامة".

سياحياً، تحظى مقاطعة فانكوفر في كولومبيا البريطانية في كندا بمكانة خاصة لدى الأشخاص المعوقين. فانكوفر إحدى المقاطعات الملتزمة إزالة العوائق التي قد تمنع الأشخاص ذوي الإعاقة من الاستمتاع بجمال معالمها، فهي استضافت الألعاب الأولمبية الشتوية عام 2010، بما فيها ألعاب الأشخاص المعوقين (بارألمبياد) التي تتبعها، ما دفعها إلى تجهيز كلّ المرافق لاستقبال الأشخاص المعوقين. تقول الحسيني إنّ التزام فانكوفر ينعكس في الإجراءات التي تتخذها حكومتها على صعيد البرامج والبنى التحتية والمواصلات ومواقف السيارات ومراكز الترفيه.

ومن أهم المواقع السياحية الدامجة فيها جبل ويسلر، وهو الذي تتولى إدارته "جمعية ويسلر للرياضة المكيفة" وهي من الجمعيات الرائدة في مجال رياضة الأشخاص ذوي الإعاقة. تنظم الجمعية نشاطات سياحية ترتكز على مشاركة الجميع فيها بمن فيهم الأشخاص المعوقون.

وعن تجربتها في جبل ويسلر، تقول الحسيني إنّها اختبرت الركوب في الكاياك، وكذلك استخدمت الدراجة اليدوية (هاندسايكلنغ). كان جميع المشاركين من الأشخاص المعوقين. قدم المشرفون لهم شرحاً وافياً حول كيفية استخدام المعدات، ورافقهم في كلّ نشاط عدد من المتطوعين. تشير الحسيني إلى أنّ موظفي "جمعية ويسلر" ومتطوعيها يخضعون لتدريبات دورية في كيفية التعاطي مع الأشخاص المعوقين خصوصاً خلال الأنشطة السياحية، بالإضافة إلى اطلاعهم على آخر المستجدات في عالم المعدات والتكييفات اللازمة لهذه النشاطات.

ومن نموذج الإعاقة الحركية، نعود إلى اللقيس التي تستعيد تجربة كانت فيها مع أحد الناشطين الحقوقيين في العاصمة النمساوية فيينا. ذهبا معاً إلى كاتدرائية أثرية، علماً أنّها من الأشخاص المعوقين حركياً، وأنّه شخص مكفوف. بالنسبة إليها، تمكنت من الوصول بيسر إلى كلّ زاوية من الكاتدرائية والاستمتاع بالتجربة. أما بالنسبة له، فقد كان المرفق مجهزاً لاستقباله بالرغم من إعاقته الحسية، وذلك من خلال مجسّم مصغّر طبق الأصل عن الكاتدرائية موجود عند مدخلها، تمكّن من تلمّسه والتعرّف على كلّ تفاصيل المكان من خلال اللمس، بالإضافة إلى كتابات بلغة "بريل".

الفوارق كبيرة جداً بين البلدان المتقدمة وأبرزها الغربية، والبلدان المسماة نامية ومنها العربية على صعيد البيئة الدامجة، ومن ضمنها السياحة الدامجة، التي تسمح لشريحة كبيرة من البشر، تقول منظمة الصحة العالمية إنّهم يبلغون 15 في المائة من سكان العالم، وهم الأشخاص المعوقون، من الوصول إلى حقوقهم. مثال صغير تعرضه اللقيس يكشف هذا الفارق: "بينما نسعى إلى تسهيل الوصول إلى المطاعم والفنادق، شهدت في أحد المؤتمرات الغربية اهتماماً بتفاصيل صغيرة جداً في تجهيزات غرف الفنادق، كمستوى ارتفاع السرير أو ارتفاع زر الإضاءة الذي يتلاءم مع الشخص المعوق".