بلوط: علينا تثقيف أنفسنا والتشجيع على المطالبة بالحقوق

"مذ كنت صغيراً، كنت أحلم بأن أكون مهندساً في الصوتيات، لكنّي اكتشفت أنّ هذا الاختصاص لا يدرّس في لبنان كاختصاص منفصل قائم في حدّ ذاته. الاختصاص الأقرب كان الصحافة المرئيّة والمسموعة (Audio – Visual)، لكنّي لم أدرسه لأنّي لا استطيع أن أدرس الإخراج، وكذلك كنت أرفض السفر وترك لبنان"، هذا ما قاله المراسل في تلفزيون "الجديد"، ناصر بلوط، في حديثه إلى "دليل التنوع".

يقول بلّوط إنّه "عندها رغبت بدراسة العلوم السياسيّة. لكنّ أصدقائي نصحوني، معتبرين أنّي أليق بالإعلام أكثر، خصوصاً أنّي كنت أحبّ الكتابة، ونُشرت لي مقالات في عدد من الصحف أكثر من مرة"، لافتاً إلى أنّ "حقيقة كوني كنت أخوض تجربة أولى للدمج المدرسي بين الأشخاص المكفوفين منذ عمر ثلاث سنوات، وهو موضوع سلّط عليه الإعلام بكلّ وسائله المرئيّة والمسموعة والمقروءة، الأضواء، فكانت لي العديد من الإطلالات الإعلاميّة للحديث عن تجربتي، ما جعلني معتاداً على الإعلام والتعامل معه". 

ويشرح بلوط أنّه تقدّم "بامتحان دخول إلى كليّة الإعلام في الجامعة اللبنانيّة. تضايقت نتيجة عوامل عديدة أبرزها أنّ مبنى الكلية في منطقة الأونيسكو لم يكن مجهّزاً أبداً، وكانت "الوساطات" بشكل علنيّ، كما أنّ للأحزاب مكاتب موجودة في باحة ملعب الكليّة يساعدك كلّ منها في ملء طلب التقدّم بامتحان دخول"، مشيراً إلى أنّه "لو كنت حينها صحافياً في قناة "الجديد" كما أنا حالياً، كنت صوّرت تقريراً. كل شيء هناك يمكن أن يكون موضوعاً لتحقيق صحافي".

وشكا من أنّ "عميد كلية الإعلام نفسه حينها لم يحترم تجربتي، وقال لي بالحرف: أنت ما فيك للإعلام، مؤكّداً أنّ الطريقة التي أقدّم بها إمتحان الدخول، نحن لا نقبل به كإدارة"، وتابع بلوط: "كنت أقدّم الامتحان مستخدماً برنامج برايل"، فأجبته: "أنا لست مسؤولاً عن ذلك. هذا أمر يعنيكم". وهكذا فعلى الرغم من أنّي كنت استعنت بالواسطة، فقد تسجّلت في جامعة بيروت العربيّة لدراسة الاختصاص وليس في الجامعة اللبنانية رغم قبولي هناك. لم أحبّ الأجواء".

ويؤكّد بلوط أنّ "تجربتي مع الجامعة اللبنانيّة لم تحبطني، بل دفعتني لأتحدّى القائمين على كليّة الإعلام ولأوجّه لهم رسالة بأنّهم لن يقفوا في طريقي وأساساً تخطيت التجربة منذ اليوم الأول"، لافتاً إلى أنّ "علاقتي بزملائي تتميّز بأنّها كأي علاقة لشخص مع زملائه، أي طبيعية جداً من دون أيّ تمييز. ولن أنسى الفرح الذي أظهره زملائي في العمل لدى ظهوري على الشاشة، وأعجبوا باختياراتي لتحقيقاتي، عارضين مساعدتي متى ما أردت".

ويشدّد على أنّه "هناك عوائق في مجال الإعلام يصادفها أيّ شخص، وبالنسبة لي فإحدى هذه العوائق مثلاً تواجدي في منطقة لم أعرفها أو زرتها من قبل. وخلال عمليّة المونتاج للتحقيق، فأنا أحتاج لمن يخبرني عن اللقطات، وأيّ منها الأنسب للتقرير".

وكان قد توجّه بسؤال إلى "عميد كليّة الإعلام في الجامعة اللبنانية الذي كان أخبرني بأنّ الصحافة مهنة شاقّة بالنسبة لشخص مثلي، عمّ يتكلم؟ صراحة لم أواجه إلّا هاتين المشكلتين، أمّا في مكان العمل، من ناحية الإدارة والزملاء، فالجميع متعاون ويساعدني".

ويؤكّد أنّه "ليس هناك من تمييز سلبي ضدّي ولا تمييز إيجابي حتى. هي معاملة عادية، لكنّ التجربة جيدة لأنّهم في التلفزيون أعطوني الفرصة كأوّل شخص معوق"، موضحاً أنّهم "يقومون في النهاية بتطبيق القانون 220، الذي ينصّ على أنّ أيّ شخص معوق له الحقّ في العمل، بل اعتبر أن "الجديد" قام بكسر هذا الحاجز بشكل إيجابي".

يكرّر بلوط أن "لا تمييز في التعامل معي وأشدد على الحصول على التقديمات الوظيفيّة كأيّ صحافي بتعاقد حرّ (FreeLancer) آخر"، لافتاً إلى أنّه "بالمناسبة هناك شخص معوّق في الجامعة اللبنانيّة يدرس الإعلام".

ويرى أنّه "علينا تشجيع الشخص المعوق ليتقدّم بطلبات توظيف، ويشارك في الاعتصامات دفاعاً عن حقوقه. المشكلة في المعوّقين أنّهم غالباً ما يكونون إنعزاليين، لكن عليهم الاندماج في المجتمع، على الرغم من أنّ هذا لا يعفي بعض المؤسّسات طبعاً من الأخطاء التي ترتكبها بحقّ الأشخاص المعوّقين".

وأكّد "ضرورة أن نصرّ على حقّنا في العمل ونثير القضية إعلامياً. لم ادخل في حياتي إلى أيّ من  مؤسّسات الرعاية. أنا أكثر وعياً من هذه المؤسسات التي تحوّلت إلى مؤسّسات انعزال. لا أؤمن بهذا التفكير وأهلي رفضوه كذلك"، مشيراً، في الوقت نفسه، إلى أنّ "جمعية المكفوفين كانت تدرّب الأساتذة" في بعض الأحيان.

يوجّه بلوط رسالة إلى "المعوّقين الذين يتطلّعون إلى الانخراط في الإعلام بأنّه عليهم المتابعة والكتابة. يجب أن يعملوا على تثقيف أنفسهم وصقل أصواتهم ولغتهم، وليس عيباً الفشل أو العمل من دون عقد ثابت"، موضحاً أنّه "في أحيان كثيرة، يتعرّف إلى صحافيّين مكفوفين وفي أحيان كثيرة تقوم علاقات بينهم كأيّ شخصين. علاقات معرّضة للفشل أو النجاح".